الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

220

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

أو لا ؟ واعلم أنّه لم يذكر في كلمات القوم مثالًا من الأمثلة الفقهيّة للمقام ولكن يمكن التمثيل له بقوله تعالى : « يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُون » « 1 » . حيث يمكن أن يقال بأنّه يدلّ على وجوب الجهاد وإن كان المسلمون من حيث العدد عُشر عدد الكفّار ولكنّه نسخ بقوله تعالى بعده : « الْآنَ خَفَّفَ اللَّه عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّه وَاللَّه مَعَ الصَّابِرِين » « 2 » . فإنّه يدلّ على تخفيفه تعالى عن المسلمين ورفع وجوب الجهاد إلّافيما إذا كان عدد المسلمين نصف عدد الكفّار على الأقلّ ، فيبحث حينئذٍ في بقاء جواز الجهاد أو استحبابه إذا كان عدد المسلمين عُشر عدد الكافرين . إذا عرفت هذا فاعلم : أنّ المعروف بين المحقّقين عدم بقاء حكم الجواز فضلًا عن الاستحباب « 3 » ، وهو الصحيح ، وذلك لأنّ بقاء الجواز إمّا يستفاد من دليل الناسخ أو من دليل المنسوخ أو من دليل آخر خارج عنهما : أمّا الدليل الناسخ فلا إشكال في عدم دلالته عليه حيث إنّه دالّ على مجرّد نسخ الوجوب السابق فقط لا أكثر وهذا واضح ؛ لإنّ لسانه لسان الرفع لا الوضع والإثبات . وأمّا دليل المنسوخ فقد يقال بدلالته على بقاء الجواز ببيان أنّ الوجوب الذي يكون مدلولًا له - مركّب من أمرين : طلب الفعل والمنع من الترك ، والمنفي بدليل

--> ( 1 ) . سورة الأنفال ، الآية 65 ( 2 ) . سورة الأنفال ، الآية 66 ( 3 ) . معالم الدين ، ص 86 ؛ قوانين الأصول ، ج 1 ، ص 127 ؛ كفاية الأصول ، ص 140